الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

97

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وذلك الفعل مقدّر بالمصدر دون سابك على حدّ « تسمع بالمعيدي خير من أن تراه » أي إرادة اللّه كائنة للبيان ، ولعلّ الكلام عندهم محمول على المبالغة كأنّ إرادة اللّه انحصرت في ذلك . وقالت طائفة قليلة : هذه اللّام للتقوية على خلاف الأصل ، لأنّ لام التقوية إنّما يجاء بها إذا ضعف العامل بالفرعية أو بالتأخّر . وأحسن الوجوه قول سيبويه ، بدليل دخول اللام على كي في قول قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي . أردت لكيما يعلم الناس أنّها * سراويل قيس والوفود شهود وعن النحّاس أنّ بعض القرّاء سمّى هذه اللّام لام ( أن ) . ومعنى وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ الهداية إلى أصول ما صلح به حال الأمم التي سبقتنا ، من كليات الشرائع ، ومقاصدها . قال الفخر : « فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها ، إلّا أنّها متّفقة في باب المصالح » . قلت : فهو كقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية . وقوله : وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتقبّل توبتكم ، إذ آمنتم ونبذتم ما كان عليه أهل الشرك من نكاح أزواج الآباء ، ونكاح أمّهات نسائكم ، ونكاح الربائب ، والجمع بين الأختين . ومعنى : وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يقبل توبتكم الكاملة باتّباع الإسلام ، فلا تنقضوا ذلك بارتكاب الحرام . وليس معنى وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يوفّقكم للتوبة ، فيشكل بأنّ مراد اللّه لا يتخلّف ، إذ ليس التوفيق للتوبة بمطّرد في جميع الناس . فالآية تحريض على التوبة بطريق الكناية لأنّ الوعد بقبولها يستلزم التحريض عليها مثل ما في الحديث : « فيقول هل من مستغفر فأغفر له ، هل من داع فأستجيب له » هذا هو الوجه في تفسيرها ، وللفخر وغيره هنا تكلّفات لا داعي إليها . وقوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ مناسب للبيان والهداية والترغيب في التوبة بطريق الوعد بقبولها ، فإنّ كلّ ذلك أثر العلم والحكمة في إرشاد الأمّة وتقريبها إلى الرشد . [ 27 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 27 ] وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ( 27 ) كرّر قوله : وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ليرتّب عليه قوله : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً فليس بتأكيد لفظي ، وهذا كما يعاد اللفظ في الجزاء